الثلاثاء، 30 سبتمبر 2014

السلطعونات – قصة قصيرة هاروكي موراكامي

السلطعونات

كان عثورهما على المطعم الصغير محض صدفة. في مساءهما الأول في سنغافورة، و بينما كانا يسيران على الشاطئ على هواهما، ولجا إلى شارع جانبي حيث صادف أن مرا على المكان من قبل. كان المطعم بناءا من طابق واحد محاطا بسور من الطوب يصل ارتفاعه إلى الخصر، مع حديقة تحوي نخلات صغيرات و خمس طاولات خشبية. كان البناء الرئيسي من الجص مدهونا بلون وردي زاه،و لكل طاولة مظلة باهتة مفتوحة فوقها، الوقت لا يزال مبكرا و المكان شبه خال، فقط هناك شيخان كبيران ذوا شعر قصير، كان واضحا أنهما صينيان، يجلسان متقابلين، يحتسيان البيرة و في صمت يأكلان تشكيلة من الأفاعي، لم ينطقا بكلمة واحدة لبعضهما البعض، و على الأرض أمام أقدامهما كان هنالك كلب أسود ضخم يتمدد في ملل، عيناه نصف مغمضتين. أثر بخار شبحي ينبعث من نافذة المطبخ، و رائحة مغرية لشيء ما يُطهى، أصوات الطهاة السعيدة تخرج مع قعقعة الأواني والمقالي، وسعف النخيل يرتجف في النسيم العليل، صامدا أمام الشمس الغارقة.

توقفت المرأة متأملة، ثم سألت قائلة ” ماذا عن تناول العشاء هنا؟”

قرأ الرجل الشاب اسم المطعم في المدخل و نظر حوله باحثا عن لائحة الطعام، لكن لم تكن هناك أي لائحة موضوعة خارجا. فكر قليلا ثم قال:” اممم، لا أدري. أنت تعلمين، نحن لسنا متأكدين من الأكل في مكان كهذا في بلد أجنبي”

-” لكني أملك حاسة سادسة فيما يخص المطاعم، يمكنني دائما أن أشتّم تلك الجيدة حقا. و هذا المطعم ممتاز دون شك، أنا أضمن لك هذا. لما لا نجربه؟”

أغمض الرجل عينيه و اخذ نفسا عميقا، لم يكن يملك أدنى فكرة عن نوع الطعام المطهو هنا، لكن عليه أن يقر أن رائحته مغرية جدا. و المطعم نفسه يملك سحرا خاصا.

- ” لكن هل تعتقدين أنه نظيف”.

جذبته من ذراعه ” أنت حساس جدا. لا تخف، لقد قطعنا كل هذا الطريق لنصل إلى هنا، فعلينا أن نتحلى قليلا بحس المغامرة. لا أريد أن آكل في مطعم الفندق كل يوم فهذا ممل. هيا بنا، دعنا نجرّب”

لما دخلا أدركا أن المكان مخصص لأطباق السلطعون. كانت لائحة الطعام مكتوبة بالانجليزية و الصينية، و كان أغلب الروّاد من أهل البلد و الأسعار جد معقولة.

وفقا للائحة الطعام فإن سنغافورةتضم العشرات من أنواع السلطعونات، مع قرابة مائة نوع من أطباق السلطعونات. طلب الرجل و المرأة بيرة سنغافورية، و بعد البحث فيما هو متوفر ، اختارا أطباق سرطانات مختلفة و تشاركاها. كانت الحصص وافرة، و المكونات كلها طازجة و التوابل جيدة.

” هذا حقا جيد” قال الرجل متأثرا.

” أرأيت؟ ماذا قلت لك؟ قلت لك أني أمتلك القدرة على إيجاد الأفضل. هل تصدقني الآن؟”

” أها. أنا أفعل” أقر الرجل الشاب.

“هذا النوع من الطاقة في متناول اليدين” ، قالت المرأة ” هل تعلم؟ الأكل أكثر أهمية مما يظن معظم الناس. قد تمر عليك أوقات في حياتك عندما تكون قد تحصلت للتو على شيء خارق اللذة. و عندما تكون واقفا في مفترق الطرق يمكن لحياتك بأكملها أن تتغير، حسب المطعم الذي تلج إليه- الجيد أو الرديء، الأمر أشبه بأن تقع على هذه الجهة من السور، أو الجهة الأخرى.”

“هذا مثير للاهتمام” قال

و أردف ” يمكن أن تكون الحياة مخيفة جدا، أليس كذلك؟”

“بالضبط” قالت و رفعت إصبعها بلؤم.

“الحياة أمر مخيف، أكثر مما يمكنك تصوره”

أومأ الشاب. وأضاف “ونحن قد حدث أن سقطنا داخل السور، أليس كذلك”.

” بالضبط”

“هذا أمر جيد”، قال الرجل الشاب بحيادية. “هلتحبين السلطعون؟ “

” امم. لقد احببته دائما، ماذا عنك؟”

” أنا احبه، و لا أمانع في أكله كل يوم”

” شيء مشترك آخر بيننا” قالت بابتهاج.

ابتسم الرجل، و رفع كل منهما كأسه من أجل نخب آخر.

قالت ” علينا أن نعود غدا، لا يمكن وجود أماكن كثيرة كهذا المكان في العالم، أقصد الأكل لذيذ جدا، ثم انظر إلى الأسعار”

أكلا خلال الأيام الثلاثة التالية في المطعم الصغير. في الصباح يذهبان إلى الشاطئ للسباحة، و يتعرضان لحمام شمس، ثم يتجولان في المدينة ويقتنيان الهدايا التذكارية من محلات الحرف اليدوية المحلية. في نفس الوقت تقريبا من كل مساء كانا يذهبان الى المطعم الصغير خلف الشارع، يجربان مختلف أطباق السلطعون، ثم يعودان إلى غرفتهما في الفندق ليمارسا الحب على مهل، ثم يقعا في نوم بلا أحلام.

كل يوم كان يمر كأنهما في جنة. كانت المرأة تبلغ من العمر ستة و عشرين سنة، و تدرس الانجليزية في ثانوية خاصة للبنات، أما الرجل فقد كان يبلغ ثمان و عشرين سنة و يعمل مدقق حسابات في إحدى البنوك الكبرى. كانت تقريبا معجزة أن يتمكنا من أخذ إجازة في نفس الوقت، وأرادا أن يجدا لنفسيها مكانا حيث لا أحد من شأنه أن يزعجهما، أين يمكن أن يستمتعا ببعضهما ببساطة. حاولا قصارى جهدهما تجنب أي موضوع من شأنه أن يعكر مزاجهما والوقت الثمين الذي يقضيانه معا.

في اليوم الرابع _آخر يوم من عطلتهما، كانا يأكلان السلطعون كما هو الحال دائما في المساء، و يغرفان اللحم من ساقي السلطعون بالأدوات المعدنية، و يتحدثان عن كيفية وجودهما هنا، يسبحان كل يوم على الشاطئ، يأكلان السلطعون حتى الشبع في الليل، ما يجعل العودة إلى حياة طوكيو تبدو غير حقيقية و بعيدة جدا. كانا يتحدثان أغلب الوقت عن الحاضر.، فيسود الصمت وجباتهما من حين إلى آخر، و يغرق كل منهما في أفكاره. لكن هذا الصمت لم يكن سيئا، فالبيرة الباردة و السلطعون الساخن يلطفان الجو بشكل جيد.

يغادران المطعم و يسيران الفندق، كما هو الحال دائما، و يختمان يومهما بممارسة الحب. بهدوء، لكن على أتم وجه. ثم يستحمان معا و سرعان ما يخلدان إلى النوم. لكن بعد فترة قصيرة، استيقظ الرجل الشاب و شعور رهيب ينتابه. كان يحس و كأنه قد ابتلع سحابة ثقيلة، فهرع إلى الحمام، و انحنى على المرحاض ليفرغ كل ما في معدته.

كانت معدته مليئة بلحم السلطعون الأبيض، لم يملك له الوقت لإدارة الإنارة، لكن ضوء القمر الطافي على سطح البحر، سمح له برؤية ما كان في المرحاض. أخذ نفسا عميقا، و أغلق عينيه و ترك الوقت يمر. كان رأسه فارغا، لا يسمح له بالتفكير في شيء. كل ما كان بإمكانه أن يفعله هو ان ينتظر. و ها هي نوبة غثيان تصيبه مرة اخرى فلا تدع شيئا باقيا في معدته.

عندما فتح عينيه، رأى كتلة بيضاء لما تقيأه تطفو على سطح ماء المرحاض. إنها كمية هائلة. يا ويلي ! ما كل هذا السلطعون الذي أكلته! فكر في نفسه نصف معجبٍ. لقد أكلت كل هذا المقدار من السلطعون يوما بعد يوم، فلا عجب إذا إن أنا مرضت، حتى و إن كنت أقطعه فهذه حتما كمية كبيرة، إنها تعادل قيمة ثلاث أو أربع سنوات من أكل السلطعون، أكلتها في أربعة أيام.

بينما كان يحدق في الكتلة التي تطفو في المرحاض و كأنها تتحرك بإهمال، فكر أولا أنه حتما يتخيل أشياء لا وجود لها. فضوء القمر الخافت لا بد من أن يجعله يتوهم. لا شك في أن سحابة عابرة قد حجبت القمر ما جعل كل شيء للحظات يبدو أظلم من ذي قبل. أغلق الرجل الشاب عينيه و أخذ نفسا عميقا، ثم فتحهما مجددا، لم يكن الأمر وهما، كانت كتلة اللحم تتحرك بكل تأكيد، و تشبه التجاعيد المفتولة، وكان سطح اللحم يهتز. قام الرجل الشاب و أضاء مصباح الحمام. إنحنى أكثر على كتلة اللحم و رأى أن ما يرتجف على السطح كان عددا لا يحصى من الدود. كان دودا صغيرا بنفس لون لحم السلطعون، ملايين منه ملتصقة بسطح اللحم.

مرة أخرى تقيأ كل ما في معدته، لكن لم يكن قد بقي فيها شيء، تقلصت معدته إلى أن أصبحت بحجم قبضة، و خرج مرير المرارة أخضر، قد اُعتصر من أحشاءه. غير مكتفٍ بهذا، ابتلع بسرعة غسول الفم و أعاد تقيأه.

قام بشفط محتويات المرحاض بالماء الدافق مرارا و تكرارا ليتأكد من ذهابها كلها، ثم غسل وجهه في الحوض مستعملا منشفة بيضاء نقية ليفرك جيدا محيط فمه، بعدها نظف جيدا أسنانه. أسند يديه على الحوض و أخذ يحدق في انعكاس صورته على المرآة. بدا وجهه هزيلا و مجعدا، و بشرته بلون الوحل، لم يستطع أن يصدق أن هذا كان حقا وجهه، بدا و كأنه شيخ منهك.

غادر الحمام، و اتكأ على الباب ثم ألقى نظرة على غرفة النوم. كانت حبيبته في السرير، نائمة بعمق. وجهها غارق بعمق في وسادتها، كانت تشخر بهدوء، غير واعية بما كان يحدث. كمروحة مرهفة، كان شعرها الطويل يغطي وجنتيها و كتفيها،و في الأسفل من كتفها مباشرة تستقر شامتان، تصطفان كأنهما توأمان.كان ظهرها يكشف بوضوح عن آثار خطوط ثوب السباحة و ضوء القمر الفضي ينفذ بهدوء عبر الستائر، مع الصوت الرتيب لاصطدام الأمواج بالشاطئ. على جانب السرير كانت الأرقام الخضراء لساعة المنبه تتوهج، لا شيء تغير، باستثناء أن السلطعون كان الآن داخلها، فقد تشاركا هذا المساء الطبق نفسه، غير أنها لم تكن على علم بالأمر.

غرق الشاب وسط كرسي من الروطان بجانب النافذة، وأغمض عينيه، وتنفس ببطء وبانتظام. قام باستنشاق الهواء النقي، و إخراج الهواء القديم. حاول استنشاق أكبر قدر من الهواء بإمكان جسده احتواءه، أراد أن تنفتح مسامات جسده على اتساعها. و كمنبه قديم في غرفة خالية، كان قلبه يخفق خفقات شديدة و جامدة.

حدق في حبيبته النائمة، فتخيل العدد الذي لا يحصى من الديدان في معدتها، هل يجدر به إيقاظها و إخبارها عن الأمر؟ ألا يجب عليهما فعل شي؟ لم يكن واثقا بما يجب فعله، فكر لفترة ثم عدل عن الفكرة، ذلك أنها لن تجدي نفعا. هي لم تلحظ شيئا و هنا تكمن المشكلة.

بدا العالم بعيدا عن المألوف، كان بإمكانه أن يسمع صريره من هذا المدار الجديد . فكر في أن أمرا ما قد حدث، و العالم قد تغير. كان كل شيء خارجا عن النظام، و ليس بالإمكان ان يعود الى ما كان عليه. كل شيء قد تغير ، و ليس بإمكانه سوى ان يستمر في هذا الاتجاه الجديد. قرر أن يعود غدا إلى طوكيو، إلى الحياة التي خلفها وراءه. على السطح لم يتغير شيء، لكن لا اعتقد أنه سيكون بامكاني الانسجام معها مرة أخرى. لن أشعر مطلقا تجاهها بنفس الطريقة التي كنت أشعرها حتى البارحة. لكن ليس هذا كل شيء، فأنا لا أعتقد أن بإمكاني الانسجام مع نفسي أيضا، فالأمر أشبه بوقوعنا من سور مرتفع إلى الخارج، دون ألم و دون صوت و هي لم تلحظ حتى هذا الأمر. جلس الشاب على كرسي الروطان حتى الفجر، يتنفس بهدوء. من وقت إلى آخر تشق صرخةٌ هدوء الليل، و تقرع زخات المطر النافذة كنوع من العقاب. تمر غيوم المطر و ينكشف وجه القمر مرة تلو الآخرى و المرأة لم تستيقظ أبدا، أو حتى تستدير في فراشها.اهتز كتفها بضع مرات، هذا كل ما في الأمر. كان يرغب في النوم أكثر من أي شيء آخر، أن يستغرق في النوم و يستيقظ ليجد كل شيء قد حُل، و تعود الأمور إلى نصابها، تجري بسلاسة كما هي العادة. لم يرغب الرجل الشاب في شيء أكثر من الغوص في نوم عميق، لكن بقدر ما كان يمد يده ليمسك به، كان النوم بعيدا عن متناوله.

تذكر الرجل الشاب أول ليلة، عندما عبرا على مطعم جانب الشارع، الرجلان الصينيان اللذان كانا يأكلان طعامهما بصمت، الكلب الأسود ذو العينين المغمضتين، و الرابض عند قدميهما، و المظلات الباهتة على الطاولات، و كيف كانت هي تشد على ذراعه. بدا و كأن سنة قد مرت على هذا، في حين أنه بالكاد قد مرت ثلاثة أيام، ثلاثة أيام تغير خلالها، عبر قوة غريبة، إلى واحد من أولئك الرجال الكبار الرماديين المشئومين. كل هذا في مدينة سنغافورة الساحلية، الجميلة و الهادئة. وضع يديه أمامه و حدق فيهما باهتمام، نظر في باطن كفيه و ظاهرهما، لا يمكن لشيء أي يخفي حقيقة أنهما كانتا ترتجفان و لو قليلا.

” مم، لطالما أحببت السلطعونات، ماذا عنك؟” كان بإمكانه سماعها تقول هذا.

” لا أدري” فكر.

أحس قلبه محصورا بشيء عديم الشكل، محاطا بغموض عميق و مريح. لم يعد يملك أدنى فكرة عن وجهة حياته، و ما الذي يمكن أن ينتظره هناك. لكن مع بدء بزوغ الفجر أخيرا تبادرت إلى ذهنه فجأة فكرة:” شيء واحد أنا متأكد منه، لن آكل السلطعون ثانية حيثما ذهبت.”

تمت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ترجمة جهان سمرقند .2014 كل الحقوق محفوظة .النشر الاولي كان في هذه المدونة عند اعادة النشر لا يسمح بذلك الا بالعزو الواضح للمترجم والمصدر .

اصدارات دار الزنبقة للنشر الالكتروني الحر


ليست هناك تعليقات: