الثلاثاء، 16 سبتمبر 2014

نظرية دوامة الصمت



يقصد بالنظرية الاعلامية “تلك المحصلة من الدراسات والأبحاث والمشاهدات التي وصلت الى مرحلة من مراحل التطور ووضعت في اطار نظري وعملي تحاول تفسيره بعد أن كانت إفتراضات وقويت تدريجيا من خلال الإجراءات التطبيقية الميدانية، ومن ذلك نظريات الإعلام التي تسعى الى تفسير ظاهرة الإعلام والإتصال الإنساني بالجماهير والتأثير المترتب عليهم بسبب المعلومات التي يحملها الإتصال والطريقة التي نقلت بها”
نشأة النظرية ومنظريها
ومن نظريات الإعلام الحديثة التي ظهرت في ثمانينيات القرن الماضي نظرية دوامة الصمت والتي تعود للباحثة الألمانية نيوهان نويل إذ وضعت هذه النظرية في سبعينيات القرن الماضي وعرفت بإسم دوامة أو لولب الصمت وقدمتها في كتاب أصدرته عام 1980م بعنوان ” دوامة الصمت .الرأي العام باعتباره جلدنا الاجتماعي”
والألمانية نويل درست في جامعة برلين الفلسفة والتاريخ والصحافة والدراسات الاميركية وحصلت على الدكتوراة عام 1945 من الولايات المتحدة والتي تتحدث عن قياسات الرأي الجماهيري وأسست في ألمانيا بعد ذلك بعامين وتحديدا في مدينة سينباخ أول معهد لقياس الرأي العام الألماني .
وتعد دوامة الصمت من نظريات التأثير طويل المدى على كل من المجتمع وثقافة أفراده لاهتمامها بالتأثير الجمعي لوسائل الإعلام وكيفية تشكليها للرأي العام اتجاه القضايا التي تطرح مع الأخذ بعين الإعتبار أن وسائل الاعلام وإن كانت تحرك الوعي نحو القضايا المطروحة إلا أنها تضغط في نفس الوقت على الأفراد لإخفاء أرائهم المعارضة للأغلبية خوفا من الإنعزال عن المجتمع الأمر الذي يدفعهم للصمت وهو ما يحد من تباعد الأراء وانشقاقها داخل المجتمع .
وانطلقت نيوهان نويل في نظريتها من افتراض أن الجمهور يرى ان الجانب او الرأي الذي تقدمه وسائل الاعلام هو الموقف السائد في المجتمع وتبني هذا الموقف يستمر بشكل تدريجي الى ان يقوى ويشكل ضغطا على المخالفين له فيلجأون للصمت علما ان هذا الموقف لربما لا يعبر عن رأي الأغلبية وإنما أخذ قوته من تبني وسائل الاعلام له.
وطورت نويل نظريتها اعتمادا على البحوث التجريبية التي نفذتها عبر رصدها لثلاثة متغيرات أساسية تلعب دورا في قوة تأثير وسائل الاعلام وهي :
  1. التأثير الكمي من خلال التكرار للرسائل الاعلامية المتشابهة والمتكررة حول قضية معينة مما يؤدي الى التأثير على المتلقي على المدى البعيد دون ارادة منه .
  2. التسيير اللاإرادي للمتلقي والتأثير الشامل عليه ويقصد بذلك أن وسائل الاعلام تسيطر على المتلقي وتحاصره في كل مكان يتواجد فيه وبالتالي تهيمن على نوعية المعلومات التي تضخ له ومصادر هذه المعلومات مما ينتج عن ذلك تأثيرات شاملة على الفرد يصعب الخلاص منها .
  3. التجانس والهيمنة الاعلامية والذي يكون عبر انسجام الرسائل الاعلامية التي يقدمها العاملون في وسائل الاعلام مع ملاك المؤسسات الاعلامية والذين يحاولون توجيه الرأي العام بما يتفق مع اصحاب المالح الكبرى في المجتمع .
جوهر النظرية وفرضياتها
بالاستناد الى ما سبق ترى نظرية دوامة الصمت أن وسائل الاعلام تتبنى أراء واتجاهات معينة في فترة زمنية محددة ويتحرك القسم الأكبر من الجمهور في الاتجاه الذي تدعمه وسائل الاعلام لما تمتلكه من قوة تأثير على المتلقي للرسائل الاعلامية وبالتالي يتشكل الرأي العام بما يتناسق في معظم الأحيان مع الأفكار التي تدعمها وسائل الاعلام .
وترى النظرية أن سعي الأفراد الى القبول العام والخوف من العزلة عن البيئة المحيطة وعن المجتمع فإنهم لا يعلنون أرائهم التي يشعرون أنها لا تحظى بموافقة الأغلبية، إذ إن الأفراد يعتمدون في معرفتهم على الاتجاهات الغالبة في المجتمع على وسائل الاعلام لتقييم موقف المجتمع من قضية ما، وبعد عملية الرصد هذه يقرر الأفراد ما إذا كانوا قادرين على التعبير عن مواقفهم أم لا، ففي حال أدركوا أثناء مراقبتهم للبيئة المحيطة أن الأراء الخاصة بهم تحظى بالقبول فإنهم يعبرون عنها بثقة وإذا أدركوا عكس ذلك فهم يخشون التعبير عنها خوفا من العزلة الاجتماعية وبالتالي يميلون الى الصمت واتباع الأغلبية في محاولة للتوحد معها وتبني الرأي العام السائد في المجتمع والذي تعمل وسائل الإعلام على تغذيته.
الإنتقادات الموجه للنظرية وتطبيقاتها
حتى اللحظة لم تطبق نظرية دوامت الصمت خارج نطاق المجتمع الألماني ولم تتمكن من النجاح في تطبيقها بمجتمعات أخرى ذات نظم إعلامية مغايرة، فمثلا يعلي المجتمع الأميركي من بعض القيم التي لا يقدرها المجتمع الألماني كحرية التعبير والمعارضة ومن ثم فلا يكتسب الخوف من العزلة في المجتمع الأميركي مثل هذه الأهمية التي يوليها الألمان لهذا الأمر مقارنة بحرية التعبير وهو ما يعني أن النظرية منحت حجما لقيمة معينة تخص المجتمع الألماني دون غيره.
كما وتهتم النظرية بالتأثيرات السطحية لوسائل الإعلام، فهي تتغاضى عن البحث في أهمية الفكرة المطروحة على الجمهور وتولي اهتماما كبيرا لحجم التأييد الذي تتلقاه هذه الفكرة علما أنه لربما تكون الفكرة بالأساس مقبولة اجتماعيا بأغلبية كبيرة دون تدخل من وسائل الإعلام هذا بالإضافة الى اعتراف مؤسست النظرية نويل بوجود بعض الجماعات التي تخرج عن نطاق تأثير دوامة الصمت دون اعتبار لتهديدات الشعور بالعزلة وهؤلاء معظمهم من الأفراد الأكثر دراية بالعملية السياسية لأنهم يعتبرون أن مهمتهم هي تقديم الأفكار الجديدة والحفاظ على التوجهات غير المهيمنة لتظل باقية في المجتمع .
ومن الإنتقادات الموجه للنظرية أيضا أن صمت الأفراد لا يرجع بالضرورة الى الخوف من العزلة الاجتماعية بقدر ما يعود الى عدم الإلمام الكافي بالقضية المطروحة للنقاش كما وأن وسائل الإعلام لا تعبر بالضرورة عن رأي الاغلبية بل تعكس أحيانا رأي الأغلبية المزيفة التي تروج لها، بالإضافة الى صعوبة تفسير أسباب تشكل الرأي العام اتجاه قضية معينة بمعزل عن دور المعلومات والتجارب التي مر بها الفرد من خلال تفاعله مع البيئة السياسية والاجتماعية المحيطة به خاصة فيما يتعلق بالقضايا التي تحظى باهتمامه حيث اعتبرت النظرية أن الجمهور سلبي ويتأثر فقط بما يقدم له من معلومات عبر الاعلام .

إرسال تعليق