الثلاثاء، 10 فبراير، 2015

المقامة اليوسيفية للشيخ عائض القرني





"المقامة اليوسفية"
#عائض_القرني
((لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ)) [يوسف:7].
كأنَ الثُّرَيَا علقت بجَبِينِهِ وَفي جِيدهِ الشعرى وفي وجهِهِ القمرْ
ولو نَطَرَت شمسُ الضُّحى في خُدُودهٍ لَقَالتْ معاذَ الله ما يوسف بَشَرْ 
كنّا نجلس كل يوم مع قوم، ينتقون من الحديث دُرره، ويذكرون لنا العالم بحره وبرّه. فدَلف علينا يوماً من الأيام، شيخ ممشوق القوام، كثير الابتسام، فصيح الكلام، فنظر في وجوهنا وتوسّم، ثم تبسّم وسلّم، ثم جلس واتّكا، وتاؤه وشكى.
قلنا: ما الخبر، أيّها الشيخ الأغَر؟ قال: تذكّرت من غَبَر، من أهل الأخبار والسيَر، فعلمت أننا بالأثر، قلنا: ما الاسم، فقد أعجبنا الرّسم؟ قال: أنا عبيد الله بن حسّان، من أهل ميسان، قلنا: كلامك محبوب، فقُصَّ علينا قصة يوسف بن يعقوب، فقال: مهما اهتمّ العالِم بالحِفظ وحرصِ، لكن الذهن فتر والخاطر نكص. وكفى بقصص الله وهو يقول: ((نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ)) [يوسف:3]، لكن سوف أُخبركم بوقفات، والعفو عمّا نسيناه وفات.
لما نصح يعقوب يوسف أن لا يقصّ ما رأى، لأنه يخشى عليه ما جرى، فإنه ما خلا جسد من حسد، وكم من قلب بنعم الغير فسد، فيا أيها العبد استر جمال يوسف النعم، خوفاً من أن تُلقى في غيابة جبّ النقم، فيسلّط عليك ذئب البغضاء، لا ذئب الصحراء.
عَوَى الذئبُ فاستأنستُ بالذئبِ إذ عَوَى وَصَوًتَ إنسانٌ فكِدتُ أطِير
لا تعتذر للمخالف، فيأخذ العذر منك وأنت واقف، أما ترى يعقوب، يوم خاف على ابنه الخُطُوب، قال: أخاف أن يأكل الذئبُ يوسف، فقالوا: أكله الذئب فلا تأسف، فكأنه هيّأ لهم الحجّة، حينما ضلّوا في المحجّة. ((وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ)) [يوسف:18]؛ لأن الذئب لا يخلع الثوب، بل يشقّه ويسحب، والذئب لا يفتَحَ الَأزَرار، بَل يمزقها بلا وقار:
يا ممعناً في السوء والعيب لا يَنفَعُ التَّهذيبُ في الذيَبِ
لو علمت القافلة بمكانة يوسف، ما قالوا: ((يا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ)) [يوسف:19]، بل لقالوا: يا بُشرى هذا إمام، ووليّ مِقدام، وسيّد هُمام، ولكن ما أدرى الليلَ ببدر التّمام؟
يوسف لديه جمال وجلال، فردعه وازع الجلال، عن نوازع الجمال، لمّا قال ((مَعَاذَ اللَّهِ)) [يوسف:23]، حماه ربه وتولاّه.
لو ترك يوسف كلمة ((اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ)) [يوسف:42]، وذكر هو ربَّه، لكشف كربه، وأزالَ خَطبه، وأسعد قلبه.
يوسف ما نسي إيمانه، سُئل عن الرّؤى وهو في الزنزانة، فدعا إلى التوحيد؛ لأن التوحيد حياة العبيد، لا يرّدّه قيد ولا يمنعه حديد.
قد قُلتُ للذّئب الوفي لِصَحبهِ يا صَاحبَ الأظفار والأنياب
أأكلتَ يُوسفَ في العَراءِ بِخِلسةٍ ودم النبوة سَالَ في الأثواب
فأجابني والله لم أهمِم بهِ هذا معاذَ الله غيرُ صوابِ
إني أحب الأنبياء ومُهجتي تفدي النبي ومقلتي وإهابي
الذئاب ما تأكل الأنبياء، ولا تلطّخ أفواهها بدماء الأولياء، لأنهم أصفياء أوفياء وإنما يقتل الأنبياء ذئاب الخليقة، إذا عميت عليهم الحقيقة، وأظلمت عليهم الطريقة.
الذئبُ أكرمُ عِشرة من ثلة خَانُوا عُهُود موَدةِ الإخوانِ
في سورة يوسف قميص بريء من الذئب، وقميص بريء من العيب، وقميص مضمخ بالطّيب.
فالأول: قميص يوسف وقد مزَّقه الإخوان، والثاني: قميصه وقد مزّقته امرأة السلطان، والثالث: قميصه وقد أُلقِيَ على يعقوب فأبصرت العينان.
كأن كل نداءٍ في مَسَامِعهِ قميصَ يوسفَ في أجفانِ يعقُوبِ
لمّا قال إخوة يوسف له: ((وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ)) [القصص:23]، نسوا أنهم هم الذين أوقعوه في هم كثير، فهو بسبب ما فعلوه في حُزنه أسير، وفي بيته كسير، فهم يحتجّون به وقت الحاجة، وينسونه وقت اللجاجة.
لمّا قال يعقوب: ((لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ)) [يوسف:67]، لأنه خاف الحاسد، فهو في مكان النَّعيم قاعد، فإذا أقبلوا في حملة، قتلهم جملة، فَعمِّ على الحسود الأمر، لتضع في عينيه الجمر.
أَعطَيتُ كُل الناس من نفسى الرضى إلا الحَسُودَ فإنه أعيانِي
ما لي إليه خطيئة أو زَلة إلا ترَادفُ نِعمَةِ الرحمن
وأَبَى فمَا يُرضيه إلا ذلتِي وذهِابُ أقوالي وقَطعُ لِسانِي
الدنيا وجهها نحس، يُباع فيها يوسف بثمن بَخس، وحزن يعقوب يكاد يذهب بالنفس، والفراعنة بمُلكِهم يفرحون، وفي دُنياهم يمرحون، وفي نعيمهم يسرحون. لكن انظر إلى العواقب، عندما تكشف عن الأولياء النوائب، وتزول عنهم المصائب، فإذا الفرحة الغامرة، والحياة العامِرة، والنّعيم في الآخرة. أما الفجّار، فسحابة نهار، وراحة حمار، ثم نكال في أسوأ دار.
هَمَّ يوسفُ هَمّة، فتذكّر علوّ الهمّة، وإمامة الأمة، ففر إلى الباب، يطلب الطريق إلى الوهّاب، بعد ما هُيئًت له الأسباب، لأن يوسف من سُلالة الأطياب، فتاب وأناب.
يُوسف شابّ من العزاب، تعرّضت له امرأة ذات منصب وجمال، وحُسن ودلال، فغلَّقت الأبواب، وَرَفَلَت في أبهى الأثواب، فتذكر يوم القيامة، وساعة الندامة، فقال أواه معاذ الله! فمنعه الله وكَفَاه، وأنت تتعرّض للنساء صباح مساء غرّك الوجه المبرقع، والحُسنُ المُرقّع، ولا تحذر وتتوقّع.
هب نطرَتك التي أرسلتها عادت إليك مع الهَوى بغَزالِ
نطرُ المهيمن فيك أسرعُ موقعاً فخفِ العظيم الواحدَ المُتعالي
في قلب يوسف من الوحي نصوص، وفي قلبك من المعصية لصوص، في شرايين يوسف دماء الإمامة والدِّين، وفي شرايينك شهوة الماء والطين.
يوسف تخرَّج من جامعة ((وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى)) [النازعات:40]، وأنت تخرَّجت من جامعة: يشكو العُيون السود قلَبي والهوَى.
يوسفُ تربيته على شريعة، وأخلاقه رفيعة، وبعضهم يُرَبَّى على مجلاّت خليعة، وآداب شنيعة، ودُشُوش فظيعة.
واأسفي على منهج يوسف، في هذا الواقع المؤسف، صورة عارية، وكأس وجارية، وشهواتٌ سارية، كلها تقول: ((هَيْتَ لَكَ)) [يوسف:23] وليس عند الجيل صرخة ((معَاذَ اللَّهِ)) [يوسف:23].
((اَلآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ)) [يوسف:51]، وبانَ الفرق، فيا شباب الصدق، قولوا في أحسن نطق: ((مَعَاذَ اللَّهِ)) [يوسف:23]، من أراد السّناء والثَّناء، والعلاء، وأن يحمي نفسه من الفحشاء، والفِعلَة الشّنعاء فليحفظ متن الأولياء: ((مَعَاذَ اللَّهِ)) [يوسف:23].
من عاذ بالله أعاذه، وأكرم ملاذه.
إرسال تعليق