الثلاثاء، 25 فبراير 2014

وائل عبد الفتاح يكتب: هلاوس الغرف المغلقة


من الذى قرر فجأة رحيل حكومة الببلاوى؟ ومن الذى سيختار؟ وعلى أى أساس سيكون الاختيار ووفق أى برنامج وسياسات؟

هذه أسئلة من فوق الواقع، لكننى مُصر على أن أسألها، ليس فقط لأن طريقة استقالة / إقالة الحكومة تمت وفق نفس تقاليد دولة الأسرار والغرف المغلقة.. لهذا فإن الإجابة عن الأسئلة ستكون بجمل كلها تتضمن «هم..»، دون تحديد المقصود باسم الإشارة.. وسواء كان «هم» تعنى فى البروتوكولات الرسمية الرئيس عدلى منصور أو كان المقصود بها واقعيًّا أو تخيلًا لما يحدث فى الواقع المشير السيسى... فإن «هم» تعنى ببساطة الكهنة الذين لا نعرفهم ويسكنون فى الغرف المغلقة،

يديرون البلاد بما لا نعرفه / أو وفق رؤيتهم لا للحل، لكن لتثبيت قواعد سلطتهم / وتثبيت الدولة عند الدرجة التى تؤكد هذه السلطة، وكما عند كهنة الدين فإن أقوى ما يفعلون هو التأكيد على أنه لا دين إلا دينهم / وكل دين آخر كفر وسقوط إيمانى / فإن كهنة الدولة يعملون لتكن دولتهم هى «الدولة» بأبويتها وسلطويتها واعتمادها على الكهنوت والأسرار، وكل تصور لدولة أخرى هو من فعل العمالة والخيانة والتهريب وتدمير مصر.

«هم»، لا يعلنون لماذا استقال الببلاوى، وعلى أى أساس سيختار شخص آخر / ليس من حق الناس أن يرى حكومة اختارها الكهنة تعلن فشله أو اعترافها بالعجز / ولا من حق الشعب أن يعرف سياسة الحكومة أو مهارات رئيسها لأنه يكفى أنه حاز رضا الكهنة.

وهنا لن نجد كلامًا واضحًا عن محاسبة الحكومة على الأخطاء / لأن المهم هو تحول كل كلام سياسى إلى «تخمين» لما يدور فى الغرف المغلقة، وما يفكر به الكهنة.. إنهم فى الأعالى يقررون وليس أمام الشعب إلا التكهن (من الكهانة أيضًا) باعتبار كلامهم فوق المعرفة المجردة / وباعتبار الناس عاجزة، وساكنو الغرفة المغلقة أعلم وأدرى رغم أنهم فاشلون وعاجزون، والأخطر أنهم رعاة جثة يسمونها دولة.

هذه جثة.. والكهنة يحاولون إقناع الناس بقدرتهم على إعادتها إلى الحياة.. وهنا يختلط الشعور بالقلق الكبير عند قطاعات واسعة من المستقبل بالرغبة فى الإيمان بقدرات الكهنة، لأنهم يمثلون الفراغ السياسى.. أو محترفون قادرون على إدارته حسب خبرتهم فى دولة مبارك.

العجز والخرافة متلازمان إذن، ويمنحان فرصة تلو الفرصة للكهنة / لكنهم لم يستوعبوا بعد أن خرافتهم انتهت / وسحرهم فقد فعاليته / وأن من مصلحة الجميع / بمن فيهم الكهنة وجمهورهم / الاعتراف باستحالة عودة جثة الدولة إلى الحياة / وأن كل الهلاوس التى تروجها فرق الطبل والزمر وموالد سيدى المستبد لن تحل المشكلات.

وهنا فإنه ليس المهم تغيير الببلاوى.. وحكومته الفاشلة بحكومة ستفشل بعد قليل، لأن المطلوب تغيير السياسات وتحرير «عقل» الدولة من الخرافات التى تتصور أنه بإمكانها تغيير الواقع بالبروباجندا.. أو أن اختيار شخص أكثر انتماءً لطبقة مبارك السياسية مثل المهندس إبراهيم محلب سيعنى أنه «رجل دولة» خبير بمشكلاتها.. لأنها دولة كانت فاشلة، وندفع الآن ثمن السكوت على الفشل انتظارًا للحل من الأعالى / من عند الكهنة.

الببلاوى بالمناسبة كان رجل بنوك شاطر / ينتمى إلى «نيوليبرالية» قريبة من تفكير جمال مبارك / أى أنه قادم من أطراف نفس الدولة / كما أن حكومته أغلبها من شخصيات فضح وصولها إلى مقاعد الوزارة سلطويتها وعدم تحرر عقلها ولا خيالها ولا إمكاناتها..

جرس الإنذار هنا يدق، لكنهم يسمعونه فى الغرف المغلقة لحنًا من الموسيقى المصاحبة لاستعراضات تقديم كبش فداء.. وهى لحظة مهمة عن الكهنة يرتدون فيها أغلى ملابسهم ويشحنون فيها أهميتهم.. ويشعرون أن هلاوسهم ستصبح واقعًا بعد قليل..

نحن إذن فى انتظار هلاوس.. «هم» تسقط من الغرف المغلقة.

ليست هناك تعليقات: