السبت، 8 مارس 2014

كيف تتقدم مصر؟

عمرو حمزاوي

هذه محاولة للتجاوز المؤقت للواقع السياسى والاقتصادى والاجتماعى المحبط الذى يفترسنا جميعا ويقضى على طاقتنا الإيجابية، هذه محاولة للتناسى اللحظى للمخاوف وللهواجس الكثيرة التى تتوزع بين جنبات مجتمعنا وتدفع بعضنا إلى العنف والبعض الآخر إلى الاستقالة من الشأن العام أو المرارة الساخرة، هذه محاولة للسيطرة على سلبية الشعور الشخصى بالظلم والقناعة العامة لدى الأصوات المدافعة عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات وقطاعات شبابية واسعة بانقلاب الحكم على مطالبهم وذبحها قربانا للهيمنة وللحلول الأمنية، هذه محاولة لعدم الاكتفاء بتشخيص الواقع والبحث البناء عن وجهة كبرى لها أن ترشدنا إلى سبل وأدوات الخروج من الأزمات واستعادة العافية والأمل فى التقدم.
•••
ستتقدم مصر حين تدرك الدولة ونظام حكمها ومؤسساتها وأجهزتها أن للمواطن حقوق وحريات لا تنازع، من بينها الحق فى المعرفة وحرية تداول المعلومات عن الشأن العام بموضوعية ودون تشويش أو تزييف أو تسييس والاختيار الحر لمن يمثله فى إدارة الشأن العام (فى سلطتين تشريعية وتنفيذية منتخبتين)، وحين تعترف أن واجبها هو حماية الحقوق والحريات هذه وليس الافتئات عليها أو التعامل معها كترف فاقد للقيمة وللمضمون.
ستتقدم مصر حين تحترم الدولة ونظام حكمها مبادئ الشفافية والنزاهة ومقاومة الفساد كمنطلقات أساسية للتقدم وللتغيير الإيجابى، وترفض ثقافة الوضعيات الاستثنائية والامتيازات الخاصة لبعض المؤسسات والأجهزة، وتقدم للمجتمع وللمواطن لجهة سيادة القانون والالتزام بالمساواة الكاملة إزاء قواعده العامة والمجردة (التى لا تميز بين حاكم ومحكوم، قوى وضعيف، غنى وفقير) نموذجا يصلح الاحتذاء به.



•••
ستتقدم مصر حين تتحرك المؤسسات والأجهزة النافذة فى بنية الدولة ونظام الحكم بعيدا عن فرضية «الخصوصية المصرية» التى يرونها تلزم بقيادة المكون العسكرى ــ الأمنى للبلاد وتدفعهم إلى إعادة إنتاج مستمرة لمقولات «الوطن فى خطر»، فالخصوصية هذه متوهمة والتعاطى بنجاح وكفاءة مع الأخطار الداخلية والإقليمية والدولية مرهون بالبناء الديمقراطى وبالشراكة بين المؤسسات والأجهزة المدنية من جهة والعسكرية ــ الأمنية من جهة أخرى (ولنا، بعيدا عن مسألة الديمقراطية، فى التعاون بين العسكريين والمدنيين فى سياق المجهود الحربى والإعداد لحرب التحرير بين ١٩٦٧ و١٩٧٣ خبرة سابقة بالغة الإيجابية).
ستتقدم مصر حين ينظر شاغل المنصب العام المنتخب والمعين من جهة إلى سلطاته وصلاحياته ونفوذه كمنحة مؤقتة ومشروطة يعطيها له المواطن بغية توظيفها فيما يحقق صالح البلاد والعباد وليس للتسلط أو للتربح أو للتورط فى الفساد واستغلال المنصب العام أو لإقصاء المختلفين معه أو لإطلاق يد أتباعه ومؤيديه فى ترهيب معارضيه والتنكيل بهم، وحين يقر من جهة أخرى بمبدأ الرقابة القانونية والشعبية على جميع أفعال وأعمال شاغلى المناصب العامة وبجواز محاسبتهم وسحب «منحة» المنصب منهم عند الإخلال بشروطها.
•••
ستتقدم مصر حين تسلم الأطراف المشاركة فى إدارة الشأن العام، دولة وحكما ومعارضة سياسية ومجتمعا مدنيا ونخب مال وأعمال وقطاعا خاصا وإعلام ومبادرات فردية، بتعددية الأفكار والآراء والمواقف وسبل إخراج البلاد من أزماتها وإنجاز تقدمها وتقبل بقواعد خمس مترابطة هى الامتناع عن التخوين عند الاختلاف، وإمكانية التلاقح الإيجابى مع الاختلاف، والتنافس الحر بهدف الحصول على ثقة المواطن، وفضيلة النقد الذاتى وإعادة ضبط بوصلة الفعل والممارسة دون استعلاء أو ادعاء احتكار الحقيقة المطلقة، وأولوية البدايات الصغيرة المعدة جيدا على وعود الحد الأقصى الخيالية (على الأحزاب السياسية مثلا، اعترافا بهشاشتها وضعف إمكاناتها البشرية والتنظيمية وبجانب أجندة الديمقراطية والحقوق والحريات، التركيز على عدد محدود من القضايا الاقتصادية والاجتماعية الرئيسية كالطاقة أو الأمن المائى أو تطوير الخدمات الصحية ونظم الضمان الاجتماعى وصياغة برامج قابلة للتطبيق وحلول حقيقية لها).
ستتقدم مصر حين تفهم نخب المال والأعمال والمجموعات المؤثرة فى القطاعات الاقتصادية الرئيسية أن حماية مصالحهم عبر تحالفات مع مؤسسات وأجهزة الدولة وسعى لتجديد «زواج المال والسلطة» ودون اعتبار لمقتضيات الشفافية والنزاهة ومقاومة الفساد ودون كثير تدبر فى مسئولية رأس المال الاجتماعية ليس له أن يدوم أو يستقر فى مجتمع أغلبيته من الفقراء ومحدودى الدخل الذين يواجهون تحديات معيشية كبرى، ولن يرتب على المدى المتوسط والطويل إلا تفاقم غياب الشفافية وتراكم الفساد وانهيار إنتاجية القطاعات الاقتصادية بل وتراجع ربحية القطاع الخاص وعوائده (لا اقتصاد متقدم ولا قطاع خاص ناجح ومتطور فى دولة فاسدة).
•••
ستتقدم مصر حين تصبح المعرفة العلمية وقيم المواطنة والحرية والتسامح وقبول التنوع ورفض التمييز إن على أساس الدين أو النوع أو الوضع الاجتماعى أو اللون أو الرأى أو الموقف السياسى والابتعاد عن ثنائيات «نحن أو هم» الفاشية، حين تنشط وسائط التنشئة والتربية فى المساحتين الخاصة (الأسرة) والعامة (التعليم المدرسى والجامعى) للانتصار للمعرفة العلمية، حين تخرج المؤسسات والسلطات الدينية بعيدا عن السياسة وتتوقف عن تأييد الحكام وتقييد الحرية وحقنا فى الاختيار الحر وعن الاستعلاء على المعرفة العلمية وتنشر قيم التسامح والوسطية ورفض التمييز، حين يدافع المجتمع المدنى ومعه الإعلام وفعاليات المجتمع الأخرى عن حقنا فى التعبير الحر عن الرأى والفكر بغض النظر عن اقترابنا أو ابتعادنا من خانات الأغلبيات والأقليات ولا يساوم على كرامتنا الإنسانية.
ستتقدم مصر حين نجدد نحن المصريات والمصريون إيماننا بأن الاستقالة من الشأن العام لن تقارب بيننا وبين الخروج من أزماتنا الكثيرة شأنها شأن التموضع فى خانات الانتظار، وأن المبادرات الفردية والأهلية ضرورة لا ترف خاصة مع تراجع قدرات وإمكانات الدولة، وأن صراعات السياسة ومواجهات الحكم والمعارضة ينبغى ألا تحزبنا كمجتمع وتعمل فينا معاول هدم السلم الأهلى والعيش المشترك، وأن السياسة العاجزة التى تأتى على حقوقنا وحرياتنا وحظوظنا فى ظروف معيشية كريمة وتصدر لنا الصراع فقط يمكن تجاوزها شعبيا بل والضغط لتغييرها بصناعة نماذج «أهلية» و«مدنية» تحقق إنجازات اقتصادية واجتماعية وتعيد بناء التماسك المجتمعى بعيدا عن دوائر العنف ومقولات العقاب الجماعى.


اقرأ المزيد هنا:http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=08032014&id=2b5e2a7a-b5a1-428e-98b6-ecfae0d548cc

ليست هناك تعليقات: